منتديات فوزي حول جميع المجالات رياضية دينية ثقافيةوغيرها.
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دور الثقافة المحلية في تشكيل الهوية ومهارات التفاعل الثقافي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 70
تاريخ التسجيل : 18/08/2016

مُساهمةموضوع: دور الثقافة المحلية في تشكيل الهوية ومهارات التفاعل الثقافي   السبت أغسطس 27, 2016 8:36 am


دور الثقافة المحلية في تشكيل الهوية ومهارة التفاعل الثقافي

خُلق الإنسان اجتماعياً بالفطرة والطبع، فهو اجتماعي بفطرته التي فطره الله عز وجل عليها، فهو لا يعيش منعزلاً ومنفرداً بل يعيش مع غيره على شكل جماعات، ويميل إلى ذلك بالفطرة والطبع أيضاً، وهذه الجماعات مختلفة الأحجام: الأسرة الصغيرة، الأسرة الكبيرة بما في ذلك الأقارب والأصدقاء، القبيلة أو العشيرة، ثم الوطن برمته، ثم الأمة التي ينتمي إليها ككل. ويبقى التفاف الأفراد بعضهم ببعض رهيناً باختلاف البيئة والمحيط الذي يعيش فيه الفرد سواء أكان ذلك باختياره المحض أم بفعل عوامل خارجية محتومة لا حول ولا قوة له في مجراها. كما يخضع الإنسان لقوانين الحياة المتعارف عليها والمتمثلة في النموّ والتغذية والتكاثر وغيرها، غير أن الإنسان يتميز عن غيره من سائر الكائنات الحية الأخرى كالحيوانات والنباتات لأنّه يمتلك القدرة على التفكير والتأمل والتعبير باللغة وتكوين الثقافة اللازمة في محيطه حتى يعيش حياة كريمة تميزه عن باقي المخلوقات.

وتختلف البيئة باختلاف حاجة الناس ومدى قدرتهم على التعايش معها والاستفادة منها. كما أن تجمع الأفراد مبني على المنفعة المتبادلة، فمنهم من يستقر بالمدن، ومنهم من يستقر بالقرى أو الجبال، ومنهم من يستقر على ضفاف الأنهار أو على شواطئ البحيرات أو البحار. فالزراعة والصناعة والصيد البري والبحري ووجود الكلأ والماء واكتشاف المناجم هي من الأسباب الدافعة للاستيطان والعيش بمنطقة ما. غير أن هذا الاستقرار هو رهين بمدى قدرة الناس في الارتباط ببعضهم البعض، وما يجمعهم من عمل وتعاون جماعي مما يؤدي إلى شيوع العادات والتقاليد والطقوس وفلكلور شعبي ينظر إليه كمؤثر اجتماعي ومؤشر على مدى تفاعل الأفراد مع تلك المقومات والعناصر الثقافية المتداخلة والتي تصبح بدورها موروثاً ثقافياً واجتماعياً قد تتوارثه الأجيال على مدى قرون.

ويمكن القول بأن الإنسان قد نجح وبشكل ملحوظ في تشكيل وتكوين العالم الخاص به، من خلال نسج روابط عقائدية واجتماعية مع غيره وكذلك إنتاج مجموعة كافية من مستلزمات الحياة التي من شأنها أن تسهّل الطريقة التي يعيش فيها، وقد ساهمت مكونات الطبيعة التي حباه الله تعالى بها والثروة الحيوانية بشتى أنواعها في البر والبحر والتي سخرها الله تعالى له في توسيع نطاق ونمط حياته اليومية، مما جعل منه مخلوقاً قادراً على أن يتغلب على الطبيعة، وجعل الثقافة هي عنوانه الأول. كما حبى الله تعالى الإنسان باللغة وجعلها علامة للثقافة، إذ هي عبارة عن العلامة التي تميز الشعوب عن بعضها البعض، لأنها تشكل الثقافة الأساسية لكل مجتمع. ومن فضل الله عز وجل أن جعل مهارة تعلم اللغة غريزة فطرية تتناسب مخارج حروفها مع تكوين الإنسان الفيزيولوجي من مخ وعينين وشفتين ولسان وحلق وأحبال صوتية يعجز العقل عن تفكيك دقة عملها ومخزونها اللامحدود من صور ومخيلات ومعانٍ ومعلومات تختلف باختلاف الشعوب، فتبارك الله أحسن الخالقين.

كما تعتبر اللغة الأداة التي يستخدمها الناس من أجل التواصل مع بعضهم البعض، واختلاف اللغات بين الشعوب هو في حقيقة الأمر الأساس في التنوع الثقافي. وبما أن الإنسان اجتماعي بالطبع، فكان لابد من تقنين مساره الاجتماعي ووضعه على شكل مؤسسات تنظم حياة الفرد وتضمن له العيش بشكل سلس وبكرامة. ومن تلك المؤسسات على سبيل المثال لا الحصر مؤسسة القضاء التي تعتبر من المؤسسات الثقافية التي بفضلها يتحقق التوازن الحضاري بين الشعوب، فجعلت الإنسان يخرج من حالة الفوضى والتعصب والوحشية التي كان يعيش فيها إلى حالةٍ من الحضارة والثقافة والتفاهم، لذلك يعتبر القانون المرجعية التي يتحاكم الناس إليها بديلاً عن العنف والإكراه والفتنة. ويعتبر الدين المرجعية الرئيسية التي توحد الناس وتلهمهم روح التعاون والإخاء واحترام مقدسات الدولة ومكوناتها والذود عنها.

وبما أن اللغة هي أداة التواصل، فإن هذا الأخير يكون بين الأشخاص من باب القرابة والقرب، مما جعل للإنسان قيمة خاصة ومركزاً يتميز به عن الحيوانات. وبما أن التواصل بين الأفراد والجماعات مبني على المنفعة المتبادلة، استحدث الإنسان أساليب شتى للتعامل فيما يخص البضائع والمعاملات التجارية، لذا يعد مبدأ استخدام الأموال في المعاملات المختلفة كنوع من التعامل من أهمّ ما يميز الإنسان، كما عمل الإنسان على اختراع أنواعٍ متعددة من النقود المعدنية وكذلك الورقية (منذ نشوء وتطور عالم الطباعة الورقية). ولم يقتصر تواصل الأشخاص والجماعات فيما بينهم على اللغة المنطوقة والمكتوبة فحسب، بل حاول الإنسان إيجاد أنواع أخرى من التواصل عبر الفن والأدب الذي ربط الحضارات والثقافات مع بعضها البعض.

ويقول أحد المفكرين الاجتماعيين بأن التمييز بين "طبيعة الإنسان" (Human nature) و"ثقافة الإنسان" (Human culture) هو المنتج الأول للأفكار والقيم والمعتقدات، وهو المنتج للعديد من المظاهر الأخرى المتمثلة في الطقوس والممارسات والنشاطات والسلوكيات وأنماط العيش المختلفة، وهذا ما يجعل عالم الإنسان الثقافي مميزاً عن عالم الطبيعة المتمثل في الغرائز التي تتحكم في الإنسان ليصبح مثله مثل سائر الحيوانات الأخرى. ولابد من الإشارة هنا إلى أن مفهوم الطبيعة يحمل بين طياته معنى الجمالية في الأشياء بحكمة الخالق سبحانه، مثل السماء والأرض والكواكب والحيوان والإنسان، فالطبيعة خُلقت قبل الإنسان، كما خلقت الطبيعة لتزين وتسهل مسيرة الإنسان على هذا الكوكب، وجاء الإنسان ليجد نفسه في عالمٍ يزخر بمناظر وجبال وأنهار وبحار لم يكن له يدٌ في تكوينها، بل لم يكن له بد إلّا أن يعيش ويطور نفسه وأساليب حياته اليومية من أجل التأقلم مع تلك الطبيعة وجعلها تخدم مصالحه وتحقق آماله في هذه الحياة. وكثيراً ما يرتبط مفهوم الثقافة بالطبيعة وكذلك طبيعة الإنسان نفسه. كما تبقى الثقافة رهينة بعملية اكتساب المهارات والأساليب التي تساعد الإنسان على التأقلم مع الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه سواء في البر أو في أعالي الجبال أو البحر.

إشكالية مفهوم الثقافة:

الثقافة لفظ متعارف عليه كاصطلاح يرمز إلى موروث الأمة فيما يخص الطابع الديني والاجتماعي وكذلك العادات والتقاليد واللباس والمأكل والمشرب والفلكلور الشعبي الخ ... تلكم هي ربما الصورة النمطية التي تخطر ببالنا كلما أثير مصطلح "الثقافة" (Culture)، بل من الناس من يربطه مباشرة بالفنون من أغاني وأهازيج أو غيرها، ومنهم من يربط ذلك بالعادات والتقاليد مثلاً. وفي حقيقة الأمر فإن مفهوم الثقافة هو مصطلح محيّر لأنه يتكون من عناصر شتى يصعب ترتيبها حسب الأولوية لدى كل مجتمع.

وإذا افترضنا أن الثقافة تشمل كل شيء من صنع الإنسان ونسج خياله، فلابد من توظيف مكونات الثقافة المحلية والمقربة من الفرد لتكون أداة لتعزيز مبدئ الهوية لديه، وكذلك صقل مهارة التفاعل الثقافي لدى الأفراد والجماعات من أجل تعايش وتواصل فعال بينهم. ومهارة التفاعل الثقافي بين شعوب العالم تعتمد على مدى قدرة المجتمعات في ترسيخ مهارة التفاعل الثقافي العالمي بين الشعوب(Intercultural Competence: ICC)، ولن يتأتى ذلك إلا إذا تم إدماج عناصر من ثقافة الفرد المحلية (النقية: دون خرافات أو شعوذة) في المناهج الدراسية، وكذلك عناصر من الثقافة الأجنبية (العناصر الإيجابية منها والتي تتماشى مع مبادئ الفرد ومعتقداته). كما يجب الاعتزاز بمقومات وعناصر الثقافة المحلية وترسيخ ذلك في نفوس التلاميذ في المدارس كي يشعر الطالب بأن لموروثه الثقافي قيمة ويكون بذلك مصدر اعتزاز وافتخار، كما يجب ترسيخ مفهوم الشمولية في ثقافة الفرد إذ تجمع كل الأطياف والألوان التي تساهم في ترسيخ الهوية لدى الفرد والجماعة وتعزيز مفهوم الثوابت التي أجمعت عليها الأمة.

لقد اتضح في بحث ميداني كنت قد قمت به في أمريكا الشمالية سنة1992م كتجربة لرؤية مدى تردد إدماج عنصر الثقافة المحلية في بعض الكتب المستعملة لتدريس اللغة الإنجليزية بالمغرب، اتضح من خلاله بأن الاعتماد على الكتب الأجنبية في ميدان تعليم اللغات بجميع قطاعاتها ومجالاتها، أمر لا بد من فحصه وتمحيصه وإخضاعه للتجربة والرقابة المستمرة وذلك نظراً لعدة اعتبارات. هذا وقد اتضح كذلك بأن نسبة تداول ثقافتنا المغربية العربية والأمازيغية الإسلامية شبه منعدمة في الكتب الأجنبية التي يتم تصديرها إلى المغرب، ناهيك عن الأشياء التي تتعـارض أحياناً مع قيمنا في مجتمعنا والتي قد تؤثّر سلبياً على مخرجات المنظومة التعليمية بالمغرب.

كما أن وجود مقاييس علمية محددة لكمية أو جرعات عناصر الثقافة المحلية والكيفية التي يتم بها إدماجها في المناهج، شيء ضروري لضمان نجاح أي عملية تعليمية أو تربوية وضبط ما تحتويه المقررات والكتب المدرسية من عناصر ثقافية مفيدة، لأن انعدام ذلك يضر بالمنظومة التعليمية وبالنشء إن لم يكن عاجلاً فآجلاً. كما أن الإطناب أو الغلو في جانب أو جوانب معينة فقط من ثقافة الفرد المحلية قد يحدث خللاً في المقرر التعليمي ومردوديته، وما سبق قوله في هذا الباب ينطبق على ما يتلقاه الطالب في البادية كما هو الشأن في الحضر مع مراعاة متطلبات وقدرات كل منهما بالطبع. ورغم أن المقررات متشابهة في معظم بلدان العالم العربي، إلا أن هناك مساحة شاسعة لإدماج أهم العناصر الثقافية المحلية لدى الطالب أو الطالبة كل حسب موقعه الجغرافي. فالطّالب في البادية مثلاً لا ينبغي أن تحشر في مقرراته ومناهجه التعليمية والتربوية اليومية أشياء لا تمتُّ لمحيطه الزراعي المحض بصلة لأن ذلك قد يكون مضيعة للطاقات، دون تقريب الصورة الفكرية المبتغاة إلى ذهنه، كما أن هذا لا يعني عدم تزويده بصورة ما يجري في المدن أو إغفال ذلك، لكي تكون لديه ثقافة عامة واسعة ويكون على إطلاع عما يجري في المدن المزدحمة بالمستجدات وأساليب الحياة المضطردة أيضاً.

ونتيجة لما ذكرناه، فقد تنعكس خسارة عدم الاهتمام بثقافة الفرد المحلية لا على مردودية الطالب أو الطالبة والمؤسسة فحسب، بل على المحيط الإقليمي الصغير والكبير الذي يتواجدان فيه. كما أن الاهتمام بثقافة الفرد المحلية مع إمكانية الاطلاع على ما يدور في رحاب الثقافات الأخرى والاستفادة مما هو إيجابي فيها، يصب في مصلحة الفرد والمجتمع، ويصون قيمة موروثه الثقافي. كما أن الاعتزاز بالموروث الثقافي مع الإصرار على صون ونشر مكارم الأخلاق بين أفراد المجتمع من شأنه أن ينمّي ويصقل مهارة التفاعل الثقافي لدى الأشخاص، ويغرس فيهم روح الاعتزاز بالهوية المغربية والمحبة والإخاء وحب فعل الخيرات والإحسان كما كان متعارف عليه لدى أجدادنا سابقا.

(وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://faouzi.moontada.net
 
دور الثقافة المحلية في تشكيل الهوية ومهارات التفاعل الثقافي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات فوزي  :: الفئة الأولى :: منتديات الجزائر :: منتدى الثقافــة المحلية-
انتقل الى: